محمد بن جرير الطبري

163

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أصابهم " . ثم قال : " هذا وادي النفر " . ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي . وأما قوله : وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فإنه يقول : ولا تمسوا ناقة الله بعقر ولا نحر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني موجع . القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه واعظا لهم : وَاذْكُرُوا أيها القوم نعمة الله عليكم ، إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ يقول تخلفون عادا في الأرض بعد هلاكها . وخلفاء : جمع خليفة ، وإنما جمع خليفة خلفاء وفعلاء إنما هي جمع فعيل ، كما الشركاء جمع شريك ، والعلماء جمع عليم ، والحلماء جمع حليم ؛ لأنه ذهب بالخليفة إلى الرجل ، فكان واحدهم خليف ، ثم جمع خلفاء . فأما لو جمعت الخليفة على أنها نظيرة كريمة وحليلة ورغيبة قيل خلائف ، كما يقال : كرائم وحلائل ورغائب ، إذ كانت من صفات الإناث ، وإنما جمعت الخليفة على الوجهين اللذين جاء بهما القرآن ، لأنها جمعت مرة على لفظها ، ومرة على معناها . وأما قوله : وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ فإنه يقول : وأنزلكم في الأرض ، وحمل لكم فيها مساكن وأزواجا . تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ذكر أنهم كانوا ينقبون الصخر مساكن ، كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثما أحمد بن مفاضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً كانوا ينقبون في الجبال البيوت . وقوله : فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يقول : فاذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وكان قتادة يقول في ذلك ، ما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : لا تسيروا في الأرض مفسدين . وقد بينت معنى ذلك وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بشواهد . واختلاف المختلفين فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ قال الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح عن اتباع صالح والإيمان بالله وبه ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني : لأهل المسكنة من تباع صالح والمؤمنين به منهم ، دون ذوي شرفهما وأهل السؤدد منهم : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه أرسله الله إلينا وإليكم ؟ قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم : إنا بما أرسل الله به صالحا من الحق والهدى مؤمنون يقول : مصدقون مقرون أنه من عند الله وأن الله أمر به وعن أمر الله دعانا صالح إليه . قال الذين استكبروا عن أمر الله وأمر رسوله صالح : إِنَّا أيها القوم بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ يقول : صدقتم به من نبوة صالح ، وأن الذي جاء به حق من عند الله كافِرُونَ يقول جاحدون منكرون ، لا نصدق به ولا نقر . القول في تأويل قوله تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما يقول تعالى ذكره : فعقرت ثمود الناقة التي جعلها الله لهم آية . وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يقول : تكبروا وتجبروا عن اتباع الله ، واستعلوا عن الحق . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَعَتَوْا علوا عن الحق لا يبصرونه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ علوا في الباطل . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد ، عن مجاهد في قوله : وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ قال : عتوا في الباطل وتركوا الحق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ قال : علوا في الباطل . وهو عتوا من قولهم : جبار عات : إذا كان عاليا في تجبره . وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا